المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة نسخة كاملة : "الرحيل .. " قصة لفيصل الزوايدي ( تونس )


فيصل الزوايدي
02-21-2008, 02:51 AM
الرحـيــلُ ..

يا الصابرونَ على الـهمِّ ، ضاقَت عِندَ العُمر أُمنِياتـي ، و ذاقَت نَفسي وَجَعَ الفَجائِعِ ..
من جَنوبٍ كان الرحيلُ يومًا .. باردًا يومًا .. لكن لهيبًا ما يلفحُ وَجهـي ، و شتاتٌ مُبعثَرٌ مِني تعبثُ بِهِ رياحٌ شتى ، تقفُ أُمي عند عتبةِ البابِ و بيدها إناءُ ماءٍ لِتَصبه ورائي حتـى أعودَ إليها ، و فـي عَيْنَيْها بريقُ ماءٍ آخر .. لَـم تَقُل شيئًا لكن تـمتمات تصدرُ مُبهمةً عن شَفَتَيْها ، خـمنت أنـها أدعيةٌ بالـحفظِ و العودةِ .. أخي الصغير واقـفٌ حذوها بقميصهِ الـمتهدلِ و إصبعه تعبثُ بِأنفِهِ ، ينظرُ بغرابةٍ إلينا ، فهو لا يَـعلم بعدُ معنـى الرحيلِ .. مِنَ النافذةِ الـخشبية الزرقاء تُطل أختي و هـي تُلقي بيـن الـحين و الآخر بنظراتٍ جزعةٍ إلى داخلِ الغرفة ، هنالك أبـي على فراشٍ سقيمًا ، مرضٌ داهـمَه فلازَمَهُ فأقعَدَهُ .. تـحسَّنت حالُــه قبلَ يومين فأخبرتُه بـموعدِ الرحيل ، لَـم يقُل شيئًا لكني أحسستُ في صمتهِ الرهيبِ توسلا بالبقاءِ .. و مِن عَينَيْهِ اللتين تـهدَّلت عليهما الأجفان صَرَخَ استجداءٌ مزلزلٌُ بعَدَمِ الرحيلِ .. و لكن أنّى لـي ذلكَ و لَـم أبلُغ فرصة َ السـفرِ هَذِهِ إلا بعناءٍ قد لا أستطيعُه ثانيةً.. كذلك الـحصولُ على تأشيرةِ سفرٍ إلـى البلاد التي أقصدُ ليس متيسرًا دومًـا .. و يـتَعَثَّرُ تدفق الـدم عَبرَ الشرايين فأدركُ أن اِنـخِسافَ الأرضِ بـمَن عليها ليس دائمًـا أشدَّ الـمَصائِبِ ..
ارتفع صوتُ مُـحَرِّكِ السيارةِ الـمتوقفةِ أمامَ البـيت ، فقد ضغطَ السائقُ على دَواسةِ البنزين لِيَستَحِثَّني ، بابُ العربةِ مفتوحٌ يطلُبُني إلـى حياةٍ جديدةٍ .. حياة رسـمَتها أحلامٌ و أوهامٌ .. هنالك بعيدًا خلفَ سفرٍ طويلٍ إلـى أرضِ الوُجوهِ الشقراء و الـمالِ الوفير و الـمباهجِ .. ينفتحُ بـهدوءٍ بابُ منزلٍ مُـجاورٍ تـخرجُ مِنه فتاةٌ اتفقَت عائلتان يومًا على تزويـجي مِنها فهي ابنةُ خالـي .. لـم تَكُن الفتاةُ قبيحةً حتى أرفضَها زوجـةً بل على النقيض مِن ذلك كانت من ذوات الـحُسنِ خاصةً مَعَ ابتسامةٍ ساذجةٍ تُذكِّـرنـي كثيرًا بابتسامةِ أبيها الطيبِ .. لكني كُنتُ أرفُضُ ذلكَ الارتباطَ الذي يَشُدُّنـي إلى حياةِ البُؤس هنـا، تـمسَحُ أمي أنفَها بِطَرَفِ ردائِها و أَلـحَظُ غــيابَ أختي عن النافذةِ . يُصبِحُ التقاطُ الـهواءِ إلى صدري عمليةً أكثرَ صعوبةً ، تذَكَّرتُ كلامَ أبـي الكثير عن كَونـي رجلَ الدارِ بعدَه فكنت أُجيبُه بأن أدعوَ له بطولِ العُمرِ فيُجيبُنـي : يَطولُ العُمرُ أو يَقصُر فلابد للإنسانِ أن يُقبَـر .. تداخَلَت الصورُ أمامي مِن صبـيٍّ أسـمرَ يَلهو عند مَشارِف الصحراء إلـى شُقرِ الوجوهِ فـي بِلادٍ ثلجيةٍ و اختلطت الألوانُ فـي مزيجٍ غريبٍ ، أفقـدُ كلامًا كثيرًا كان مِنَ الـمُمكِنِ قولـه فـي هذا الـمقامِ ، فلا أجِـد مـا أقول فأصمتُ، لـم يَكُن للحظةِ و لا للزمنِ غـير معنى واحدٍ مُـختَلفٍ لا يعرِفُهُ الساعاتِِيّون .. و أخشى انفجارًا بداخلي فأُلقي حَقيبَتي الصغيرة على الـمقعدِ الـخَلفي و أهُـمُّ بإلقاءِ نفسي داخلَ السيارةِ و لَكن..
يسقُطُ إناءُ مـاءِ على الأرض فقد كان ولدي الصغيرُ قد أوقع قدحًـا من يَدَيْهِ .. تـمامًا مثلما سَقَطَ إناءُ الـماءِ من يَدَيْ أمي يومَها عندما ارتفَعَ صوتُ أختي مِن النافذةِ الخشبيةِ الـزرقاء بصيحةٍ مـجروحَةٍ تُعلِنُ وقوعَ الفادحةِ ..
تنحنـي زوجتي تُلَمْلِمُ شظايا القَدَحِ و تبتَسِمُ بطيبةٍ ساذجةٍ تُذَكِّرُنـي بـخالـي الطيب.

فيــــصل الزوايـــــــدي

خالد رجب الدوسي
02-21-2008, 03:07 AM
حضرت ارحب بك فاهلا ومرحبا بك في شاعر العرب

ولي عوده بإذن الله

فيصل الزوايدي
02-21-2008, 11:33 AM
حضرت ارحب بك فاهلا ومرحبا بك في شاعر العرب

ولي عوده بإذن الله

أخي خالد رجب شكرا للحفاوة العفوية التي اسعدتني كثيرا و أنا في انتظار العودة ان شاء الله
دمت في خير

رهف الرفاعي
02-21-2008, 12:29 PM
بسمه تعالى


سألت الدار تخبرنـــي-------عن الأحباب ما فعلوا
فقالت لي أناخ القوم -------أيـــــاما و قد رحلوا
فقلت فأين أطلـــبهم--------و أي منازل نزلــــوا
فقالت بالقبور و قــد--------لقو و الله ما فعلـــوا

يالها من قصة لقد تهت بين عبرات الصبر فيها .. الجنوب ! .. بكاء صامت يحويها ..

سلم قلمك الحزين اخي ..

وننتظر بلهفة جديدك ..

فيصل الزوايدي
02-22-2008, 09:15 PM
بسمه تعالى


سألت الدار تخبرنـــي-------عن الأحباب ما فعلوا
فقالت لي أناخ القوم -------أيـــــاما و قد رحلوا
فقلت فأين أطلـــبهم--------و أي منازل نزلــــوا
فقالت بالقبور و قــد--------لقو و الله ما فعلـــوا

يالها من قصة لقد تهت بين عبرات الصبر فيها .. الجنوب ! .. بكاء صامت يحويها ..

سلم قلمك الحزين اخي ..

وننتظر بلهفة جديدك ..

أخت رهف الحياة اسعدني تفاعلك الحميمي مع القصة الحزينة .. و انا ممتن لدعمك الباذخ
أعدك بالمزيد ان شاء الله
دمت في خير

فيصل الزوايدي
03-02-2009, 01:58 AM
حركة الكاميرا في قصة الرحيل لفيصل الزوايدي
بقلم أحمد فؤاد

روح النص / حركة الكاميرا
اسمح لي أن أقدّم جزءاً غير مرئي في قصّتك ، قد لا ينتمي للأدب النثري بشكل خاص ، و لكنه ينتمي لأدب القصة أو أدب التصوير .
أعجبتني جداً حركة الكاميرا الداخلية في الأحداث ، بدايةً من بداية القصة ، حيث تأتي الكاميرا بكادر عريض للصحراء ، و أكاد أسمع صوت الريح و أشعر بلهيب البرد على حد تعبيرك. ثم تتحرك الكاميرا في روعة و هي تنتقل بين أبطال القصة لتلقي الضوء على البعض و تلقي مزيداً من الضوء على البعض الآخر، حتى التفاصيل الدقيقة لم تتركها ، و جاءت روعة تحرّكها في سرعتها الرشيقة مع دمج أحداث الحاضر مع الذكرى الماضية (Flash Back) في أسلوب لم يشُبه خطأ.

كما أعجبتني انتقالات الكاميرا (Transitions) ، و ذلك في النقطتين التاليتين:
1 - أسلوب المزج (Dissolve)الذي تم استخدامه في مزج أزمنة القصة الثلاثة ، ذكريات البطل وهو طفل صغير امتزجت مع حاضر القصة ، و انتهت بزمن البطل الذي يحكي منه روايته في الحقيقة. جاء المزج رائع جداً و هي تقنية قلّما أراها بعيني في نص أدبي مكتوب.
2 - أما ما أثار دهشتي بالفعل فهو روعة استخدامك للكاميرا في النهاية ، فاستخدامك لمفهوم القطع القافز و هو أحد أساليب التلاشي المتقاطع المُباشر( القطع المُباشر ) 0 (Cross- Fade)، حيث كانت لقطة وقوع القدح في مشهد النهاية ، هي أقوى لقطة في القصة ككل.

و المفاهيم المذكورة أعلاه تتضح في المعلومات أدناه
طريقة "المزج Dissolve" التي تستعمل كثيرا لتدعيم وحدة الفيلم . وفي هذه النقلة تتلاشى الصورة السابقة تدريجيا من على الشاشة في نفس الوقت الذي تحل فيه الصورة الجديدة محلها تدريجيا أيضاً*

القطع المُباشرحيث تحل على الفور صورة محل صورة سابقة ، ويمكن أن يستخدم القطع المباشر لاحلال موضوع معين مكان موضوع آخر داخل مشهد أو لتغيير المشاهد إلى زمان أو مكان مختلف تماما . ومعظم نقلات هذا النوع تمتاز بالتنوع الذي أجيد إعداده حيث يعطي الحوار أو العناصر المرئية في نهاية اللقطة مؤشرا لما يأتي في اللقطة التالية.
صيغة أخرى للقطع المباشر هي القطع القافز حيث يستبعد جزء من الحدث ويرى المشاهد جزء فحسب من هذا الحدث*

* المراجع
1-- التذوق السينمائي ، تأليف : آلان كاسبيار ، ترجمة : وداد عبدالله .
2- تعريف النقد السينمائي ، تأليف علي شلش .
3- دليل الناقد الفني ، تأليف : د.نبيل راغب .

أحمد فؤاد
ناقد و قاص

نا::::الوحيد::::ئي
03-07-2009, 12:48 PM
إبداع لايستطيع أي شخص سوى أن ينحني له
تقديرآ منه لصاحب هذا النسج الرائع في التصوير
المتناهي في إقتباس الألم من داخل العين رغم غزارة الدموع .
أتمنى أن أمتع عيني بجديدك عن قريب ****

فيصل الزوايدي
03-17-2009, 05:56 PM
إبداع لايستطيع أي شخص سوى أن ينحني له
تقديرآ منه لصاحب هذا النسج الرائع في التصوير
المتناهي في إقتباس الألم من داخل العين رغم غزارة الدموع .
أتمنى أن أمتع عيني بجديدك عن قريب ****

أهلا بك و أعتز برأيك كثيرا اخي الكريم و اسعد بمتابعتك .. أعدك بالمزيد ان شاء الله ..
دمت في الخير

محمد إبراهيم عياش
03-17-2009, 10:49 PM
اخي فيصل : قصة لا غبار عليها فهي تتجلى في أحداثها التي تبدو للعين بسيطة ويسيرة ولكنك بأسوبك وحركات كمرتك استطعت ان تلبسها ثوبا زاهي الألوان , والحركة في القصة رائعة جدا لانك بهذه السطور القليلة ادخلت القارئ إلى عالم القصة التي أردت ان تضعها في قالب خاص بعيدا عن التوهيم والتهويم , لك ان تجمع أشخاص القصة في هذا الحدث وتجعل منهم عينا للكاميرا أو تسد عليهم الباب فيقفوا حائرين امام حركة دؤوبة لم تتوقف , انت بارع في القصة , وقد قرات لك قبل هذه المرة , وكنت تحاور القارئ وكانك امامه يشاركك صنع الحدث , البطل كنت انت كاتب القصة والحبيبة التي ظهرت كانت ضيفة الشرف ولم تشركها بالمشهد الذي اظنه كان ناقصا لان الحبيبة لها وقع آخر على النفس و وعلى كل الأحوال اهنئك على هذه الحيوية الظاهرة بقصة قصيرة جدا , اعطاها الحيوية والعمق القصصي , والذي سبقني احمد فؤاد اعطاك بعض الجوانب الهامة , وكاني الآن أقف على شيء اسمه الأدب لان الحركة الأدبية تحتاج إلى محاكاة ومماحكة لتكون أكثر فاعلية , وأقف عند الزملاء ولهم الشكر وهم يرددون كلاما من مدح وغيره للمشاركة فقط على كل الأحوال لا ارى بدا من ذلك ولكن الاجمل ــ لمن يستطيع ــ ان يشارك في بعض النقد المفيد للكاتب والقارئ .
شكرا لك يابن الزيتون , وياإبن تونس الخضراء .
محمد إبراهيم عياش

عبدالله الحضبي
03-17-2009, 10:53 PM
شكرا لك يافيصل
ابداع وتألق
قصه رائعه
http://www.el-malak.net/uploads/images/malaksoft-05e844adcf.gif (http://www.el-malak.net)

فيصل الزوايدي
04-01-2009, 08:00 PM
اخي فيصل : قصة لا غبار عليها فهي تتجلى في أحداثها التي تبدو للعين بسيطة ويسيرة ولكنك بأسوبك وحركات كمرتك استطعت ان تلبسها ثوبا زاهي الألوان , والحركة في القصة رائعة جدا لانك بهذه السطور القليلة ادخلت القارئ إلى عالم القصة التي أردت ان تضعها في قالب خاص بعيدا عن التوهيم والتهويم , لك ان تجمع أشخاص القصة في هذا الحدث وتجعل منهم عينا للكاميرا أو تسد عليهم الباب فيقفوا حائرين امام حركة دؤوبة لم تتوقف , انت بارع في القصة , وقد قرات لك قبل هذه المرة , وكنت تحاور القارئ وكانك امامه يشاركك صنع الحدث , البطل كنت انت كاتب القصة والحبيبة التي ظهرت كانت ضيفة الشرف ولم تشركها بالمشهد الذي اظنه كان ناقصا لان الحبيبة لها وقع آخر على النفس و وعلى كل الأحوال اهنئك على هذه الحيوية الظاهرة بقصة قصيرة جدا , اعطاها الحيوية والعمق القصصي , والذي سبقني احمد فؤاد اعطاك بعض الجوانب الهامة , وكاني الآن أقف على شيء اسمه الأدب لان الحركة الأدبية تحتاج إلى محاكاة ومماحكة لتكون أكثر فاعلية , وأقف عند الزملاء ولهم الشكر وهم يرددون كلاما من مدح وغيره للمشاركة فقط على كل الأحوال لا ارى بدا من ذلك ولكن الاجمل ــ لمن يستطيع ــ ان يشارك في بعض النقد المفيد للكاتب والقارئ .
شكرا لك يابن الزيتون , وياإبن تونس الخضراء .
محمد إبراهيم عياش

أهلا اخي محمد ابراهيم .. هذه القراءة اسعدتني كثيرا لما فيها من اضافة و تفاعل راق ننتظره دائما لما يقدمه من افادة و من وجهات نظر قد لا يتفطن إليها القراء و احيانا الكاتب نفسه ..
شكرا لهذه الاطلالة المتميزة و للمشاعر العفوية التي اعتز بها كثيرا ..
دمت في الخير
مودتي

فيصل الزوايدي
04-01-2009, 08:03 PM
شكرا لك يافيصل
ابداع وتألق
قصه رائعه
http://www.el-malak.net/uploads/images/malaksoft-05e844adcf.gif (http://www.el-malak.net)

اهلا اخي عبد الله و قد اسعدني رأيك في القصة و ثناؤك الباذخ عليها فشكرا لك ..
دمت في الخير