عبد الرحمان الخرشي
10-15-2009, 01:13 AM
3 ) مقاربة فنية للنص :
من البداهة أن الشاعرة مقبولة عبد الحليم وإن بدت من حيث مضمون هذا النص متأرجحة بين القديم والحديث . وبين استثمار ماهوأصيل يمتح من التراث الشعري القديم ، ومنفتح على آليات جديدة هبت عليها من رياح شعراء الرومانسية ، ومن رصدها لنصوص الرثاء في الشعر العربي .. أما على مستوى الشكل فقد زكت هذا الانطباع ؛ ذلك أنها استدعت آليات فنية بدءا من المعجم المستمد من التراث الشعري القديم ، ومن عالم الذات - أحاسيس وعواطف - ( الحب ، الخشوع ، السكينة ، الأماني ، النفس ، الذل ، الإخلاص ، الحزن ، الرجاء ، الرضى ، الحنين ، الأنين ) ومن الطبيعة ميتة / صامتة خاصة ( الهواء ، رائحـة ، السماء ، قطـوف ، مرابع ... ) . ومما يمكن إدخاله في إحياء ( أجواء الرثاء ) في القصيدة القديمة (( قبـري ، جنات عـدن ، تغشـى العيـون بمقلتيهـا دمعـة ، رحماك ، الفنـاء ، اكتب علـى قبـري ... )).. وفي هذا الإطار تبدو هيمنة المعجم الديني في النص انسجاما مع عمق هذا المقوم في نفس الشاعرة : (( القـرآن ، سـورة فاطـر ، واخشع ، بالدُعـاء ، بالأعمـال ، العطـاء ، رحماك رب الكون ، نحـن العبيـد ، الذنـوب ، وبآية القرآن ... )) .
كما اعتمدت اعتمدت وزنا موحدا من الأوزان الخليلية الصافية التي أرى أن الشاعرة تميل إليه كثيرا في أغلب ماقرأت لها من شعر باذخ ، وجميل ؛ وهو بحر ( الكامل ) .. استدعته لتكامل حركاته ، وهي ثلاثون حركة لاتوجد في غيره من البحور الشعرية . ولكونه ينسجم مع اهتزازات نفسها المؤمنة بقدر الموت ؛ وما تأتي به لحظة معانقة الإنسان لها من تجل مشفوع بإيقاعات النفس المؤمنة ، المستسلمة للقضاء والقدر . . وقد استعملت الشاعرة هذا الوزن بتغيير استـُعمل في مجزوئه فقط ؛ حيث العروض مـُذال ، وزنه (( متفاعلان )) وعلى ذلك فوزن النص جاء على النحو التالي :
(( متفاعلن متفاعلن متفاعلن ******* متفاعلن متفاعلن متفاعلان ))
استعملت الشاعرة هذا البحر - بتغييراته المعروفة ( ... ) - انسجاما مع حالتها النفسية وأجواء استبطان الذات ، والتذكر ، و ... ولكون هذا البحر يساعد على التعبير على مثل هذه المضامين المشفوعة بالبوح ، وأجواء الحزن .. أما القافية فهي قافية موحدة أيضا ؛ التزمتها الشاعرة حسب ضوابط الخليل بن أحمد الفراهدي (( طاء - واء - ماء - عاء ... )) وبناء عليه فهي قافية مقيدة ، مردوفة بحرف مد ولين ( الألف ) التزمته الشاعرة في جميع أبيات النص ؛ وفقا لما نصت عليه قواعد العروض . وقد جاء هذا الحرف تابعا لحركة لفتحة التي حافظت عليها الشاعرة في جميع الأبيات قبل الردف ( الحذو ) :
أوصيـك يـا قلبـا رَوانـي حُبــــه -------------- يمم على قبـريَ وأَغـدق بالعطـاء
أوصيـك يـا قلبـا روانـي حُبـبهو -------------- يممم على قبـري وأغـدق بالعطـاءْ
/0/0/ /0 /0/0 //0/0 /0//0 -------------- /0/0 //0 /0/0 //0/0 /0//00
متفاعــــلـن متفاعــلن متفاعــلن -------------- متفـاعـلن متفاعلـــن متفاعــــــلان
فالقافية كما يبدو تنتهي في جميع الأبيات بساكنين على هذا النحو :
. طاء ( /00 ) - واء ( /00 ) ماء ( /00 ) ...
ومما يلاحظ على توظيف الشاعرة للقافية في هذا النص أنها استساغت - استجابة لما تتطلبه الدلالة - تكرار كلمتي : العطاء ( في البيت الأول والبيت السادس ) ، والدعاء ( في البيت الرابع والبيت الرابع عشر ) وهو مايطلق عليه عند علماء العروض (( الإيطاء )) باعتباره عيبا من عيوب القافية .. وبالنسبة للروي فقد وظفت الشاعرة حرف ( الهمزة ) وهو صوت / حرف مخرجه الحنجرة ، شديد ، لامجهور ولا مهموس استعملته انسجاما مع دلالة الموت التي يُقطـَع ُفيها النفس ، وباعتبارها مستلهم الشاعرة لهذا النص .. وعندي فإن الشاعرة كانت موفقة في اختيار القافية ، وحرف الروي ، وإن كانت قد أعيت القافية بــ (( الإيطاء )) ... مع ملاحظة عدم تدعيم الشاعرة للقافية بظاهرة التصريع للغايتين ؛ الإيقاعية ، والدلالية .. وقد كانت موفقة في اختيار (( الهمزة )) حرفا للروي مكسورة للدلالة على انكسارها وعلى انكسار كل إنسان أمام هول النهاية المحتومة / الموت .. ومما يسجل - عيبا - على استعمال الشاعرة لبحر الكامل في هذا النص ؛ مايمكن ملاحظته في مطلع القصيدة ؛ ذلك أنها سقطت في بحر الرجز باعتمادها (( الخبل )) وهو اجتماع (( الخبن )) و (( الطي )) في جميع التفاعيل الستة ؛ وكأنها تستجيب بذلك لاقتراح ابراهيم أنيس ، ومن جاراه تأليفا في علم العروض .. وهو أمر لانوافق عليه كل من تبناه . وبالضبط إبراهيم أنيس في (( مشروعه الجديد )) المتعلق بالعروض وتفعيلات البحور (6) .. ومن الملاحظات المرتبطة بالبنية الإيقاعية للنص ، لاحظت أنه ليس للشاعرة ميل إلى تغذية مقوم البنية الإيقاعية بالمحسنات اللفظية البديعية .. ومع ذلك فالنص حمل لنا هذين الجناسين الناقصين النادرين ( اقـرأ / القـرآن - سورة / سيرتـي ) .. ولعل هذا من فعل ولوع الشاعرة مقبوله بالمضمون أكثر من ولعها بالشكل الفني للقصيدة ، عن طريق احتفالها بتوظيف المساحيق البلاغية البديعية . وإن كنت أرى أن الشاعرة قد استعملت صيغة الأمر بكثرة مما كان له أبلغ الأثر على بنية النص الإيقاعية بشكل واضح وجلي .
أما على مستوى التصويرالشعري ، فالشاعرة نحت منحى الشعراء القدامى في احتفائهم الكبير بالجانب التصويري في بناء النص ، معتمدة نهجهم في بناء الصور على النزعة البيانية ؛ وإن كنت أرى أنه ليس للشاعرة - في هذا النص - ميل إلى عنصر التشبيه البثة ، باعتباره من الأدوات البلاغية لبناء الصورة القديمة . . ومن قراءة متمثلة ، وفاحصة للبيت الثالث يلاحظ مافيه من جمال التصوير ؛ . فكلمة (( رائحة )) المؤنثة من مادتها ( روح ) ودلالتها على الرِّيح وهو نَسِيم الهواء ، و نَسيم كل شيء تصدر عنه رائحة النسيم طيِّبة كانت أَو نَتْنة .. فالشاعرة تأخذ بالمعنى الإيجابي للرائحة ؛ الرائحة الطيبة .. فالرائحة في البيت أتت لا بدلالتها الحقيقية طيبة ، بل بــ (( رائحـة الدنـا )) . والدنا / الحياة الحاضرة من الدُّنْيا .. نَقِيضُ الآخرة ، سميت كذلك لدنوها ولبُعْدِ الآخرة عَنْها ، تجمع على دُنىً ؛ فهذه الدنا من دلالتها الحقيقية التي نعرفها بالبداهة صارت لها دلالة مجازية فرضها سياق البيت .. و يتمثل ذلك في أن الدنى لها رائحة طيبة تشتم .. وهذا بعيد عن الحقيقة ، لأن الشاعرة لاتقصد بالرائحة معناها الحقيقي (( النسيم الطيب )) وإنما (( الحياة التي غادرت )) . وهذا مايحفز المتلقي على تمثل ماترمي إليه الشاعرة عن طريق نقل الصورة إلى الخيال .. وهو ما تريده الشاعرة في التعبير .. وهذه صورة ، بلاغية ، بيانية ، بامتياز .. وهذا ما يجعلنا نطمئن على أن الشاعرة مقبوله تمتح في بناء صورها الشعرية من البلاغة العربية ؛ أعني مما هو قديم . . كما استعملت الشاعرة بعض الصور الجديدة من خلال أنسنة بعض الأشياء ( القلب - العمر ) ؛ لننظر إليها كيف توصي قلبها وهي في لحظة النزع الأخير .. توصيه بجملة وصايا ليست لهذا القلب القدرة على فعلها في الواقع لأنه عضو في تجاويف صدرها ، وصدر كل إنسان . وهذا مايدفع المتلقي إلى تمثل هذه اللحظة في الخيال .. وكم هي الشاعرة بارعة في في إنشاء صورها الفنية ، كتلك التي ربطت فيها بين الأشياء المحسوسة ، والمجردة ( لـلأرواح أفـق سكيـنـة - فالقلب يصفـو - زادي مخلـصـا - حزن قلبي - جئتـك بالرجـاء ... ) .. من هنا نؤكد أن الشاعرة مقبوله عبد الحليم في النص تلون صورها مابين صور تستمد مقوماتها ؛ تارة من القديم ، وتارة مما هو جديد ، وإن بدا هذا الأخير نادرا في هذا النص !!! .
ومما يلاحظ أن الشاعرة قد وظفت صورها الشعرية بعامة توظيفا متميزا بجمال التعبير ؛ فهي قد عبرت من خلالها عن حالتها الوجدانية ، وعن جملة انفعالات أحست بها وهي تتمثل هاجس الموت ، وهول اللحظة المنتظرة في حياتها وحياة كل مؤمن . وما تستصحبه هذه اللحظة من إحساس بهول الموقف ، و شعور بالندم ، وبوح بالساكن فيها ، وبانكسارأمام الجليل جل في علاه ؛ إيذانا بعجزها التام .. وهي فوق ذلك كله تلوح باحتمائها - بهاجس الموت - من وضع هي أدرى بما يتطلب من ندم ومن ثوبة نصوح أمام الملأ يوم تنفع الشهادة وقد جاءت ثائبة .
ومن الوسائل الفنية التي توسلت بها الشاعرة في هذا النص تعبيرا عما سلف تنويع أساليبها ما بين خبرية ، وإنشائية انسجاما مع حالتها النفسية ؛ فهي عندما تريد الإخبار عن ملامح واقع مضى ، أو مايعتمل في ذهنها هاجسا يؤرق ذاتها استعملت الأسلوب الخبري ، أما عندما تريد الإشارة لما يؤرق ذاتها فقد استعملت أسلوبا إنشائيا ، وفق ماتقتضيه الوظيفة هكذا :
ا ) الأمر . لعله المكون الأساس الذي ألح على الشاعرة في هذا النص . وظفت له مظهرا تركيبيا أسسته على الأفعال ( يمم - إقرأ - إخشع - إرحم - إسكب - أكتب ... ) ؛ وقد حملته معنى الطلب حينما توجهت به إلى القلب ؛ تحقيقا للأفعال لا على وجه الاستعلاء ؛ لأنه لااستعلاء على القلب ، كما لا استعلاء على الله . لذلك جرى الأمر مجرى الالتماس في الحالتين معا . وليست الشاعرة الفلسطينية مقبوله عبد الحليم هي أول من توجه بالخطاب إلى القلب شاكية له ؛ فهذا الشاعر المغربي (( إسماعيل زويريق )) يتوجه لقلبه بالنصح آمرا / ملتمسا منه أن يتقبل نصحه ، وموعظته .. ويدعوه للنسيان :
فانس الذي رمت ، في النسيان موعظة .......... لــمــن ألــم بــه مــا أنـــت نـاكــــره
لكن شتان بين من يلملم جروح قلبه ، ثم يتبرم منه ، ويدعوه لتركه وشأنه ، وبين من يوصي قلبه بقراءة القرآن على قبره وهو قد طوي جدثا :
ويقول إسماعيل زويريق مخاطبا قلبه :
دعني وحالي ، فإما الحال تسعفــــــني .......... بما أتــــوق ، وإما ما أحــــــاذره ُ
وتقول الشاعرة مقبولة عبد الحليم :
اقـرأ مـن القـرآن سـورة فاطــــــــــــر .......... واخشع قليلا واغترف بعض الهواء
استعملت الشاعرة هذا المقوم للدلالة على العجز ، والاستغاثة ، والتلطف ، والتحبب ، والتأكيد على الضعف ، و ...
ب ) النداء . استعملت الشاعرة هذا المكون تعبيرا عن حالات نفسية ارتبطت بالذات ، وبالإحساس ، وبالطبيعة . كما استعملته للدلالة اللغوية المعروفة ، وقد استعملت لذلك أعم أدوات النداء (( يا )) لكونها ينادى بها القريب والبعيد ، و (( أيا )) لكونها ينادى بها البعيد . نادت بالأولى قلبها ، وحزن قلبها ، و عمرها المحبوب . كما نادت بالثانية نفسها : ( يـا قلبـا - يا حزن قلبي - يا طيـري - أيـا النفـس ) . وبناء عليه فللنداء عند الشاعرة في هذا النص وظائف أجملها في : الاستغاثة ، التحسر ، التعظيم ، التحقير، و ...
[/align]
4 ) التشجيع ختام :
الشاعرة مقبولة عبد الحليم ، الشاعرة الفلسطينية الكبيرة ، العصامية ، أراك في تجربتك الشعرية بعامة تركبين قاطرة التحدي ؛ وذلك بانخراطك الموفق في سمفونية الإبداع الشعري النسوي العربي ، فأنت - ولاشك - مع الشعراء الكبار بأدواتك الفنية المحترمة ، التي أراها تجعل منك رمزا من رموز الإبداع الشعري في عالمنا العربي ، وفي خريطة الشعر النسائي الفلسطيني ، وخريطة الشعر النسائي العربي بالذات .. وأنت فوق ذلك تمتحين من ذاتك ، ومن واقعك ، ومن الموروث الشعري العربي .. كما أراك غير متجاوزة للتقاليد الشعرية ، ولا متمردة عليها ، تلك التي رسختها شعرية محمود سامي البارودي ، وأحمد شوقي ، وحافظ إبراهيم ، وهلال الفارع ، ولطفي منصور، ونمر الخطيب ، وإسماعيل زويريق ، وكبار شعراء (( واتا )) جميعا .. بل أنت في إبداعك الشعري - فوق ذلك كله - رمزا من الرموز المسلمة ، المجاهدة بالقلم ، وبالإبداع ، وبتفتحك على أجناس أدبية أخرى ، تجعل كل من يقرأ لك ، يحترمك ، و آراءك الجريئة في الدفاع عن فكرة (( الحب فبل الهدية )) ، وتقبلك للنقد متى ما (( كان مهنيا ومبنيا على الدراسة والدراية والتمعن والإمعان )) ... وأشير إلى أنني قد أنجزت هذا العمل في سياق ماتعهدت بتقديمه لورشة النقد الأدبي لشاعر / شاعرة من شعراء (( واتا )) . وها أناذا أفعل .. وأخيرا لايسعني إلا الثناء على تجربتك أختي (( مقبولة الخير )) ، هذه التجربة التي بدأت أترسم الطريق إلى دروبها ، وساحاتها ، وخمائلها ، وجنائنها ، وسهولها ، وجبالها ، ووديانها ، وأنهارها و ... وفي نفس الوقت لايسعني إلا أن أبارك لك حرفك العربي ، وأدعوك إلى عدم تدنيسه باللهجة المحلية / العامية . كما ألتمس منك تلافي بعض الهـَنـَاتْ الهـَيـٍّنـَات ، التي لايسلم منها أيضا ماكتبته أنا هنا .. كما أبارك لك إشعاع تجربتك الشعرية ، الواعدة بالعطاء ، وإلقاء الضوء الكاشف عليها من هذا البلد الذي يحبكم أهله .
http://www.wata.cc/forums/showthread.php?p=449284
5500
---------------------------------------------
(1) بحثنا في : ( لسان العرب - مقاييس اللغة - الصّحّاح في اللغة - القاموس المحيط - العباب الزاخر )
(2) مقاييس اللغة .
(3) هو سكون ضِدُّ الحياة : ( لسان العرب ) .
(4) في هذا إشارة لخاطرة الشاعرة المنشورة في واتا تحت عنوان : (( تراتيل ))
(5)في ذيباجة تقدمت النص .
(6) كتابه : موسيقى الشعر - ص : 153 - 160
المملكة المغربية - مراكش : 25 رمضان الأبرك 1430 الموافق : 15 / 9 / 2009 .
***
.[/QUOTE]
من البداهة أن الشاعرة مقبولة عبد الحليم وإن بدت من حيث مضمون هذا النص متأرجحة بين القديم والحديث . وبين استثمار ماهوأصيل يمتح من التراث الشعري القديم ، ومنفتح على آليات جديدة هبت عليها من رياح شعراء الرومانسية ، ومن رصدها لنصوص الرثاء في الشعر العربي .. أما على مستوى الشكل فقد زكت هذا الانطباع ؛ ذلك أنها استدعت آليات فنية بدءا من المعجم المستمد من التراث الشعري القديم ، ومن عالم الذات - أحاسيس وعواطف - ( الحب ، الخشوع ، السكينة ، الأماني ، النفس ، الذل ، الإخلاص ، الحزن ، الرجاء ، الرضى ، الحنين ، الأنين ) ومن الطبيعة ميتة / صامتة خاصة ( الهواء ، رائحـة ، السماء ، قطـوف ، مرابع ... ) . ومما يمكن إدخاله في إحياء ( أجواء الرثاء ) في القصيدة القديمة (( قبـري ، جنات عـدن ، تغشـى العيـون بمقلتيهـا دمعـة ، رحماك ، الفنـاء ، اكتب علـى قبـري ... )).. وفي هذا الإطار تبدو هيمنة المعجم الديني في النص انسجاما مع عمق هذا المقوم في نفس الشاعرة : (( القـرآن ، سـورة فاطـر ، واخشع ، بالدُعـاء ، بالأعمـال ، العطـاء ، رحماك رب الكون ، نحـن العبيـد ، الذنـوب ، وبآية القرآن ... )) .
كما اعتمدت اعتمدت وزنا موحدا من الأوزان الخليلية الصافية التي أرى أن الشاعرة تميل إليه كثيرا في أغلب ماقرأت لها من شعر باذخ ، وجميل ؛ وهو بحر ( الكامل ) .. استدعته لتكامل حركاته ، وهي ثلاثون حركة لاتوجد في غيره من البحور الشعرية . ولكونه ينسجم مع اهتزازات نفسها المؤمنة بقدر الموت ؛ وما تأتي به لحظة معانقة الإنسان لها من تجل مشفوع بإيقاعات النفس المؤمنة ، المستسلمة للقضاء والقدر . . وقد استعملت الشاعرة هذا الوزن بتغيير استـُعمل في مجزوئه فقط ؛ حيث العروض مـُذال ، وزنه (( متفاعلان )) وعلى ذلك فوزن النص جاء على النحو التالي :
(( متفاعلن متفاعلن متفاعلن ******* متفاعلن متفاعلن متفاعلان ))
استعملت الشاعرة هذا البحر - بتغييراته المعروفة ( ... ) - انسجاما مع حالتها النفسية وأجواء استبطان الذات ، والتذكر ، و ... ولكون هذا البحر يساعد على التعبير على مثل هذه المضامين المشفوعة بالبوح ، وأجواء الحزن .. أما القافية فهي قافية موحدة أيضا ؛ التزمتها الشاعرة حسب ضوابط الخليل بن أحمد الفراهدي (( طاء - واء - ماء - عاء ... )) وبناء عليه فهي قافية مقيدة ، مردوفة بحرف مد ولين ( الألف ) التزمته الشاعرة في جميع أبيات النص ؛ وفقا لما نصت عليه قواعد العروض . وقد جاء هذا الحرف تابعا لحركة لفتحة التي حافظت عليها الشاعرة في جميع الأبيات قبل الردف ( الحذو ) :
أوصيـك يـا قلبـا رَوانـي حُبــــه -------------- يمم على قبـريَ وأَغـدق بالعطـاء
أوصيـك يـا قلبـا روانـي حُبـبهو -------------- يممم على قبـري وأغـدق بالعطـاءْ
/0/0/ /0 /0/0 //0/0 /0//0 -------------- /0/0 //0 /0/0 //0/0 /0//00
متفاعــــلـن متفاعــلن متفاعــلن -------------- متفـاعـلن متفاعلـــن متفاعــــــلان
فالقافية كما يبدو تنتهي في جميع الأبيات بساكنين على هذا النحو :
. طاء ( /00 ) - واء ( /00 ) ماء ( /00 ) ...
ومما يلاحظ على توظيف الشاعرة للقافية في هذا النص أنها استساغت - استجابة لما تتطلبه الدلالة - تكرار كلمتي : العطاء ( في البيت الأول والبيت السادس ) ، والدعاء ( في البيت الرابع والبيت الرابع عشر ) وهو مايطلق عليه عند علماء العروض (( الإيطاء )) باعتباره عيبا من عيوب القافية .. وبالنسبة للروي فقد وظفت الشاعرة حرف ( الهمزة ) وهو صوت / حرف مخرجه الحنجرة ، شديد ، لامجهور ولا مهموس استعملته انسجاما مع دلالة الموت التي يُقطـَع ُفيها النفس ، وباعتبارها مستلهم الشاعرة لهذا النص .. وعندي فإن الشاعرة كانت موفقة في اختيار القافية ، وحرف الروي ، وإن كانت قد أعيت القافية بــ (( الإيطاء )) ... مع ملاحظة عدم تدعيم الشاعرة للقافية بظاهرة التصريع للغايتين ؛ الإيقاعية ، والدلالية .. وقد كانت موفقة في اختيار (( الهمزة )) حرفا للروي مكسورة للدلالة على انكسارها وعلى انكسار كل إنسان أمام هول النهاية المحتومة / الموت .. ومما يسجل - عيبا - على استعمال الشاعرة لبحر الكامل في هذا النص ؛ مايمكن ملاحظته في مطلع القصيدة ؛ ذلك أنها سقطت في بحر الرجز باعتمادها (( الخبل )) وهو اجتماع (( الخبن )) و (( الطي )) في جميع التفاعيل الستة ؛ وكأنها تستجيب بذلك لاقتراح ابراهيم أنيس ، ومن جاراه تأليفا في علم العروض .. وهو أمر لانوافق عليه كل من تبناه . وبالضبط إبراهيم أنيس في (( مشروعه الجديد )) المتعلق بالعروض وتفعيلات البحور (6) .. ومن الملاحظات المرتبطة بالبنية الإيقاعية للنص ، لاحظت أنه ليس للشاعرة ميل إلى تغذية مقوم البنية الإيقاعية بالمحسنات اللفظية البديعية .. ومع ذلك فالنص حمل لنا هذين الجناسين الناقصين النادرين ( اقـرأ / القـرآن - سورة / سيرتـي ) .. ولعل هذا من فعل ولوع الشاعرة مقبوله بالمضمون أكثر من ولعها بالشكل الفني للقصيدة ، عن طريق احتفالها بتوظيف المساحيق البلاغية البديعية . وإن كنت أرى أن الشاعرة قد استعملت صيغة الأمر بكثرة مما كان له أبلغ الأثر على بنية النص الإيقاعية بشكل واضح وجلي .
أما على مستوى التصويرالشعري ، فالشاعرة نحت منحى الشعراء القدامى في احتفائهم الكبير بالجانب التصويري في بناء النص ، معتمدة نهجهم في بناء الصور على النزعة البيانية ؛ وإن كنت أرى أنه ليس للشاعرة - في هذا النص - ميل إلى عنصر التشبيه البثة ، باعتباره من الأدوات البلاغية لبناء الصورة القديمة . . ومن قراءة متمثلة ، وفاحصة للبيت الثالث يلاحظ مافيه من جمال التصوير ؛ . فكلمة (( رائحة )) المؤنثة من مادتها ( روح ) ودلالتها على الرِّيح وهو نَسِيم الهواء ، و نَسيم كل شيء تصدر عنه رائحة النسيم طيِّبة كانت أَو نَتْنة .. فالشاعرة تأخذ بالمعنى الإيجابي للرائحة ؛ الرائحة الطيبة .. فالرائحة في البيت أتت لا بدلالتها الحقيقية طيبة ، بل بــ (( رائحـة الدنـا )) . والدنا / الحياة الحاضرة من الدُّنْيا .. نَقِيضُ الآخرة ، سميت كذلك لدنوها ولبُعْدِ الآخرة عَنْها ، تجمع على دُنىً ؛ فهذه الدنا من دلالتها الحقيقية التي نعرفها بالبداهة صارت لها دلالة مجازية فرضها سياق البيت .. و يتمثل ذلك في أن الدنى لها رائحة طيبة تشتم .. وهذا بعيد عن الحقيقة ، لأن الشاعرة لاتقصد بالرائحة معناها الحقيقي (( النسيم الطيب )) وإنما (( الحياة التي غادرت )) . وهذا مايحفز المتلقي على تمثل ماترمي إليه الشاعرة عن طريق نقل الصورة إلى الخيال .. وهو ما تريده الشاعرة في التعبير .. وهذه صورة ، بلاغية ، بيانية ، بامتياز .. وهذا ما يجعلنا نطمئن على أن الشاعرة مقبوله تمتح في بناء صورها الشعرية من البلاغة العربية ؛ أعني مما هو قديم . . كما استعملت الشاعرة بعض الصور الجديدة من خلال أنسنة بعض الأشياء ( القلب - العمر ) ؛ لننظر إليها كيف توصي قلبها وهي في لحظة النزع الأخير .. توصيه بجملة وصايا ليست لهذا القلب القدرة على فعلها في الواقع لأنه عضو في تجاويف صدرها ، وصدر كل إنسان . وهذا مايدفع المتلقي إلى تمثل هذه اللحظة في الخيال .. وكم هي الشاعرة بارعة في في إنشاء صورها الفنية ، كتلك التي ربطت فيها بين الأشياء المحسوسة ، والمجردة ( لـلأرواح أفـق سكيـنـة - فالقلب يصفـو - زادي مخلـصـا - حزن قلبي - جئتـك بالرجـاء ... ) .. من هنا نؤكد أن الشاعرة مقبوله عبد الحليم في النص تلون صورها مابين صور تستمد مقوماتها ؛ تارة من القديم ، وتارة مما هو جديد ، وإن بدا هذا الأخير نادرا في هذا النص !!! .
ومما يلاحظ أن الشاعرة قد وظفت صورها الشعرية بعامة توظيفا متميزا بجمال التعبير ؛ فهي قد عبرت من خلالها عن حالتها الوجدانية ، وعن جملة انفعالات أحست بها وهي تتمثل هاجس الموت ، وهول اللحظة المنتظرة في حياتها وحياة كل مؤمن . وما تستصحبه هذه اللحظة من إحساس بهول الموقف ، و شعور بالندم ، وبوح بالساكن فيها ، وبانكسارأمام الجليل جل في علاه ؛ إيذانا بعجزها التام .. وهي فوق ذلك كله تلوح باحتمائها - بهاجس الموت - من وضع هي أدرى بما يتطلب من ندم ومن ثوبة نصوح أمام الملأ يوم تنفع الشهادة وقد جاءت ثائبة .
ومن الوسائل الفنية التي توسلت بها الشاعرة في هذا النص تعبيرا عما سلف تنويع أساليبها ما بين خبرية ، وإنشائية انسجاما مع حالتها النفسية ؛ فهي عندما تريد الإخبار عن ملامح واقع مضى ، أو مايعتمل في ذهنها هاجسا يؤرق ذاتها استعملت الأسلوب الخبري ، أما عندما تريد الإشارة لما يؤرق ذاتها فقد استعملت أسلوبا إنشائيا ، وفق ماتقتضيه الوظيفة هكذا :
ا ) الأمر . لعله المكون الأساس الذي ألح على الشاعرة في هذا النص . وظفت له مظهرا تركيبيا أسسته على الأفعال ( يمم - إقرأ - إخشع - إرحم - إسكب - أكتب ... ) ؛ وقد حملته معنى الطلب حينما توجهت به إلى القلب ؛ تحقيقا للأفعال لا على وجه الاستعلاء ؛ لأنه لااستعلاء على القلب ، كما لا استعلاء على الله . لذلك جرى الأمر مجرى الالتماس في الحالتين معا . وليست الشاعرة الفلسطينية مقبوله عبد الحليم هي أول من توجه بالخطاب إلى القلب شاكية له ؛ فهذا الشاعر المغربي (( إسماعيل زويريق )) يتوجه لقلبه بالنصح آمرا / ملتمسا منه أن يتقبل نصحه ، وموعظته .. ويدعوه للنسيان :
فانس الذي رمت ، في النسيان موعظة .......... لــمــن ألــم بــه مــا أنـــت نـاكــــره
لكن شتان بين من يلملم جروح قلبه ، ثم يتبرم منه ، ويدعوه لتركه وشأنه ، وبين من يوصي قلبه بقراءة القرآن على قبره وهو قد طوي جدثا :
ويقول إسماعيل زويريق مخاطبا قلبه :
دعني وحالي ، فإما الحال تسعفــــــني .......... بما أتــــوق ، وإما ما أحــــــاذره ُ
وتقول الشاعرة مقبولة عبد الحليم :
اقـرأ مـن القـرآن سـورة فاطــــــــــــر .......... واخشع قليلا واغترف بعض الهواء
استعملت الشاعرة هذا المقوم للدلالة على العجز ، والاستغاثة ، والتلطف ، والتحبب ، والتأكيد على الضعف ، و ...
ب ) النداء . استعملت الشاعرة هذا المكون تعبيرا عن حالات نفسية ارتبطت بالذات ، وبالإحساس ، وبالطبيعة . كما استعملته للدلالة اللغوية المعروفة ، وقد استعملت لذلك أعم أدوات النداء (( يا )) لكونها ينادى بها القريب والبعيد ، و (( أيا )) لكونها ينادى بها البعيد . نادت بالأولى قلبها ، وحزن قلبها ، و عمرها المحبوب . كما نادت بالثانية نفسها : ( يـا قلبـا - يا حزن قلبي - يا طيـري - أيـا النفـس ) . وبناء عليه فللنداء عند الشاعرة في هذا النص وظائف أجملها في : الاستغاثة ، التحسر ، التعظيم ، التحقير، و ...
[/align]
4 ) التشجيع ختام :
الشاعرة مقبولة عبد الحليم ، الشاعرة الفلسطينية الكبيرة ، العصامية ، أراك في تجربتك الشعرية بعامة تركبين قاطرة التحدي ؛ وذلك بانخراطك الموفق في سمفونية الإبداع الشعري النسوي العربي ، فأنت - ولاشك - مع الشعراء الكبار بأدواتك الفنية المحترمة ، التي أراها تجعل منك رمزا من رموز الإبداع الشعري في عالمنا العربي ، وفي خريطة الشعر النسائي الفلسطيني ، وخريطة الشعر النسائي العربي بالذات .. وأنت فوق ذلك تمتحين من ذاتك ، ومن واقعك ، ومن الموروث الشعري العربي .. كما أراك غير متجاوزة للتقاليد الشعرية ، ولا متمردة عليها ، تلك التي رسختها شعرية محمود سامي البارودي ، وأحمد شوقي ، وحافظ إبراهيم ، وهلال الفارع ، ولطفي منصور، ونمر الخطيب ، وإسماعيل زويريق ، وكبار شعراء (( واتا )) جميعا .. بل أنت في إبداعك الشعري - فوق ذلك كله - رمزا من الرموز المسلمة ، المجاهدة بالقلم ، وبالإبداع ، وبتفتحك على أجناس أدبية أخرى ، تجعل كل من يقرأ لك ، يحترمك ، و آراءك الجريئة في الدفاع عن فكرة (( الحب فبل الهدية )) ، وتقبلك للنقد متى ما (( كان مهنيا ومبنيا على الدراسة والدراية والتمعن والإمعان )) ... وأشير إلى أنني قد أنجزت هذا العمل في سياق ماتعهدت بتقديمه لورشة النقد الأدبي لشاعر / شاعرة من شعراء (( واتا )) . وها أناذا أفعل .. وأخيرا لايسعني إلا الثناء على تجربتك أختي (( مقبولة الخير )) ، هذه التجربة التي بدأت أترسم الطريق إلى دروبها ، وساحاتها ، وخمائلها ، وجنائنها ، وسهولها ، وجبالها ، ووديانها ، وأنهارها و ... وفي نفس الوقت لايسعني إلا أن أبارك لك حرفك العربي ، وأدعوك إلى عدم تدنيسه باللهجة المحلية / العامية . كما ألتمس منك تلافي بعض الهـَنـَاتْ الهـَيـٍّنـَات ، التي لايسلم منها أيضا ماكتبته أنا هنا .. كما أبارك لك إشعاع تجربتك الشعرية ، الواعدة بالعطاء ، وإلقاء الضوء الكاشف عليها من هذا البلد الذي يحبكم أهله .
http://www.wata.cc/forums/showthread.php?p=449284
5500
---------------------------------------------
(1) بحثنا في : ( لسان العرب - مقاييس اللغة - الصّحّاح في اللغة - القاموس المحيط - العباب الزاخر )
(2) مقاييس اللغة .
(3) هو سكون ضِدُّ الحياة : ( لسان العرب ) .
(4) في هذا إشارة لخاطرة الشاعرة المنشورة في واتا تحت عنوان : (( تراتيل ))
(5)في ذيباجة تقدمت النص .
(6) كتابه : موسيقى الشعر - ص : 153 - 160
المملكة المغربية - مراكش : 25 رمضان الأبرك 1430 الموافق : 15 / 9 / 2009 .
***
.[/QUOTE]